الإذكار و الدعاء

الإذكار و الدعاء

السيرة النبوية

مولد النبي و طفولته و شبابه و زواجه و الغزوات و الفتوحات و وفاته

تفريغ البرامج

تفريغ حلقات البرامج او الدروس للدعاه

فقه المسلم

الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج ……إلخ

قصص الأنبياء

قصص الأنبياء من لدن آدم إلى سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام

الرئيسية » التابعين, شخصيات إسلامية

سعيد بن المسيَّب

كاتب الموضوع: مؤيد في: الأحد, 2 أغسطس 2009لا يوجد تعليق |

عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حجِّ بيت الله الحرام … وزيارة ثاني الحرمين الشّريفين .

والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه .

فلمّا أقبل شهر ذي القعدة ، زمَّ الخليفة العظيم ركائبه ، وتوجّه إلى أرض الحجاز يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني ((أميَّة)) … ونفرٌ من كبار رجال دولته … وبعض أولاده …

ومضى الرّكب في طريقه من ((دمشق)) إلى المدينة المنوّرة من غير بطء ولا عجلٍ …

فكانوا كلّما نزلوا منزلاً نُصِبت لهم الخيام، وفُرشت لهم الفرش، وعُقِدت لهم مجالس العلم والتّذكرة؛ ليزدادوا تفقُّهاً في الدين .

ويتعهّدوا قلوبهم ونفوسهم بالحكمة والموعظة الحسنة .

*  *  *

ولمّا بلغ الخليفة المدينة المنوّرة ، أمّ حرمها الشريف … وتشرّف بالسلام على ساكنها محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وسعِدَ بالصلاة في الرّوضة المُطهَّرة الغرّاء .

فذاق من برد الرّاحة ، وسلام النّفس ما لم يذق مثلهما من قبل …

وعزم على أن يُطيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ما وجد إلى ذلك سبيلاً .

*  *  *

وكان من أشدّ ما استأثر باهتمامه في المدنية المنوّرة حلقات العلم التي كانت تعمر المسجد النبوي الشريف .

ويتألّق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التّابعين كما تتألّق النجوم الزّهر في كيد السماء … فهذه حلقة عروة بن الزّبير …

وتلك حلقة سعيد بن المسيّب …

وهناك حلقة عبد الله بن عتبة …

*  *  *

وفي ذات يوم صحا الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصحو فيه عادة، فنادى حاجبه وقال: يا مَيسرة .

قال: لبّيك يا أمير المؤمنين .

قال: امضِ إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وادعُ لنا أحد العلماء لِيُحدّثنا …

*  *  *

مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف، وأجال نظرهُ فيه فلم يرَ غيرَ حلقة واحدة توسَّطها شيخٌ زاد على الستين من عمره فيه بساطةُ العلماء … وعليه هيبتهم ووقارهم …

فوقف غير بعيد من الحلقة ، وأشار للشيخ بإصبعه… فلم يلتفت إليه الشيخ، ولم يأبه لهُ .

فاقترب منه وقال: ألم ترَ أنّي أُشيرُ إليك ؟! .

قال: إليَّ أنا ؟! .

قال: نعم …

قال: وما حاجتُكَ؟ .

قال: استيقظ أمير المؤمنين وقال: امضِ إلى المسجد وانظر هل ترى أحداً من حُدَّاثي ، فأتني به .

فقال له الشيخ: ما أنا من حُداثه .

فقال له ميسرةُ: ولكنَّه يبغي مُحدِّثاً يُحدّثه .

فقال الشيخ: إنّ من يبغي شيئاً يأتي إليه … وإنّ في حلقة المسجد مُتَّسعاً له إذا كان راغباً في ذلك .. والحديث يُؤتى إليه، ولكنّه لا يأتي …

فعاد الحاجب أدراجه وقال للخليفة: ما وجدتُ أحداً في المسجد غير شيخ أشرتُ إليه فلم يقم، فدنوتُ منه وقلت: إنّ أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت وقال لي: انظر هل ترى أحداً من حُدّاثي في المسجد فادعهُ لي …

فقال لي في هدوء وحزم: إنّني لستُ من حدّاثه … وإنّ في حلقة المسجد متّسعاً له إذا كان راغباً في الحديث .

فتنهّد عبد الملك بن مروان …وهبَّ قائماً ، واتّجه إلى داخل المنزل وهو يقول: ذلك سعيد بن المسيّب ..ليتكَ لم تأتهِ، ولم تكلّمه …

فلمّا ابتعد عن المجلس وصار في الداخل، التفت أصغر أولاد عبد الملك إلى أخ له أكبر منه وقال:

من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ، ويستكبر على المُثول بين يديه، وحضور مجلسه …

وقد دانت له الدنيا، وخضعت لهيبته ملوك ((الروم)) .

فقال الأخ الأكبر: ذاك الذي خطب أمير المؤمنين بنته لأخيك الوليد؛ فأبى أن يزوّجها منه .

فقال الأخ الأصغر: أبى أن يزوّجها من الوليد بن عبد الملك ؟!! .

وهل كان يروم لها بعلاً أسمى من وليّ عهد أمير المؤمنين ؟! …وخليفة المسلمين من بعده .

فسكت الأخ الأكبر ولم يُجبه بشيء …

فقال الأخ الأصغر: إذا كان قد ضنَّ بابنته على وليّ عهد أمير المؤمنين ، فهل وجد لها الكفء الذي يليق بها ؟ …أم إنّه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس …وتركها قعيدة بيت .

فقال له أخوه الأكبر: الحق أنّني لا أعرف شيئاً من خبرها، وخبره معها …

فالتفت إليهما أحد الجلاّس من أبناء المدينة وقال: إذا أذن لي الأمير قصصتُ عليه خبرها كلّه …فقد تزوّجت فتىً من فتيان حيِّنا يقال له : ((أبو وداعة)) .

وهو جارنا بيت بيت … ولزواجه منها قصة طريفة رواها لي بنفسه .

فقال له الأخوان: هاتِها …

فقال الرجل: حدّثني أبو وداعة قال: كُنتُ – كما تعلم – ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم .

وكنت أداوم على حلقة سعيد بن المسيّب ، وأزاحم الناس عليها بالمناكب …فتغيّبتُ عن حلقة الشيخ أيّاماً ، فتفقّدني ، وظنّ أنّ بي مرضاً ، أو عرَضَ لي عارض … فسأل عنّي من حوله ، فلم يجد عند أحد منهم خبراً .

فلمّا عدتُ إليه بعد أيام حيّاني ، ورحَّب بي وقال: أين كنت يا أبا وداعة ؟؟ .

فقلت: توفّيت زوجتي ، فاشتغلتُ بأمرها .

فقال: هلاّ أخبرتني يا أبا وداعة فنواسيك ، ونشهد جنازتها معك ، ونُعينك على ما أنت فيه .

فقلت: جزاك الله خيراً …وهممتُ أن أقوم …فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس ، ثمّ قال لي:

أما فكّرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة ؟ .

فقلت: يرحمك الله … ومن يزوّجني ابنته وأنا شابٌ نشأ يتيماً، وعاش فقيراً … فأنا لا أملك غير درهمين ، أو ثلاثة دراهم .

فقال: أنا أزوّجك ابنتي .

فانعقد لساني وقلتُ: أنت ؟! … أتزوّجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت ؟! .

فقال: نعم …

فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخُلُقه زوّجناه ، وأنت عندنا مرضيّ الدين والخُلُق …

ثمّ التفت إلى من كان قريباً منَّا ، وناداهم … فلما أقبلوا عليه ، وصاروا عنده ؛ حمِد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه .

وعقد لي على ابنته … وجعل مهرها درهمين اثنين … فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح …

ثمّ قصدتُ بيتي ، وكنتُ يومئذٍ صائماً؛ فنسيتُ صومي وجعلتُ أقول: ويحكَ يا أبا وداعة … ما الذي صنعت بنفسك ؟! … ممَّن تستدين ؟! … وممَّن تطلب المال ؟! .

وظللتُ على حالي هذه حتى أذّن للمغرب …فأدّيت المكتوبة ، وجلستُ إلى فطوري ، وكان خبزاً وزيتاً …

فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع .

فقلت : من الطارق ؟ .

فقال: سعيد …

فواللهِ مرَّ بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيّب …ذلك لأنّه لم يُر منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد .

ففتحت الباب، فإذا بي أمام سعيد بن المسيّب …فظننت أنّه قد بدا له في أمر زواجي من ابنته شيء …

وقلت له: أبا محمد؟! …هلا أرسلت إليّ فآتيك .

فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم .

فقلت: تفضّل عليّ …

فقال: كلاّ ، وإنما جئتُ لأمر …

فقلت: وما هو يرحمك الله ؟ …

فقال: إنّ ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغداة ، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك ، فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر؛ فجئتك بها .

فقلت : ويحي … جئتني بها؟! .

فقال: نعم …

فنظرت ، فإذا هي قائمة بطولها .

فالتفت إليها وقال: أدخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله، وبركته …

فلمّا أرادت أن تخطو ؛ تعثَّرت بمُلاءتها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض .

أمّا أنا فقد وقفت أمامها مشدوهاً لا أدري ما أقول …ثمّ إنّي بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت ؛ فنحّيتها من ضوء السراج حتى لا تراها .

ثم صعدتُ إلى السطح وناديتُ الجيران ، فأقبلوا عليَّ وقالوا:

ما شأنك ؟ .

فقلت: عقد لي سعيد بن المسيّب على ابنته اليوم في المسجد … وقد جاءني بها الآن على غفلة … فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي ، فهي بعيدة الدار .

فقالت عجوز منهنّ: ويحك أتدري ما تقول .؟! …

أزوّجك سعيد بن المسيّب ابنته … وحملها لك إلى البيت بنفسه ؟! …

وهو الذي ضنَّ بها على الوليد بن عبد الملك !! .

فقلت: نعم …

وها هي ذي عندي في بيتي ، فهلمّوا إليها ، وانظروها .

فتوجّه الجيران إلى البيت ، وهم لا يكادون يُصدّقونني ، ورحَّبوا بها ، وآنسوا وحشتها …

*  *  *

وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي ، فلمّا رأتها التفتت إليّ وقالت: وجهي من وجهك حرام إن لم تترُكها لي حتى أُصلِح شأنها … ثمّ أزُفّها إليك كما تزف كرائم النساء .

فقلت: أنتِ وما تريدين …

فضمَّتها إليها ثلاثة أيام، ثمّ زفّتها إليّ .

فإذا هي من أبهى نساء المدينة جمالاً …وأحفظ الناس لكتاب الله عزّ وجلّ …وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام … وأعرف النساء بحقوق الزّوج .

فمكثتُ معها أياماً لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها .

ثمّ إني أتيتُ حلقة الشيخ في المسجد ؛ فسلّمتُ عليه ، فردّ عليّ السلام ، ولم يكلّمني .

فلمّا انفضَّ المجلس ، ولم يبق غيري قال: ما حال زوجتك يا أبا وداعة ؟.

فقلت: هي على ما يحبُّ الصّديق ويكره العدوّ …

فقال: الحمد لله .

فلمّا عدتُ إلى بيتي ، وجدتُه قد وجّه إلينا مبلغاً وفيراً من المال لنستعين به على حياتنا .

*  *  *

فقال ابن عبد الملك: عجيبٌ أمر هذا الرجل …

فقال له رجل من أهل المدينة: وما وجه العجب فيه أيها الأمير ؟ …

إنه امرؤ جعل دنياه مطيَّة لأخراه …واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية …

فوالله إنّه ما ضنَّ على ابن أمير المؤمنين بابنته … ولا رآه غير كُفءٍ لها ، وإنّما خاف عليها فتنة الدنيا …

ولقد سأله بعض أصحابه فقال: أترُدُّ خطبة أمير المؤمنين ، وتزوّج ابنتك من رجل من عامّة المسلمين ؟! .

فقال: إنّ ابنتي أمانة في عنقي ، وقد تحرّيتُ فيما صنعته لها صلاح أمرها .

فقيل له : وكيف ؟! .

فقال: ما ظنّكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أميّة …وتقلّبت بين رياشها وأثاثها …وقام الخدمُ والحشم والجواري بين يديها، وعن يمينها ، وعن شمالها …ثمّ وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة ؟ .

أين يصبح دينها يومئذٍ ؟ .

فقال رجل من أهل الشام: يبدو أنّ صاحبكم طرازٌ فريد من الناس .

فقال الرجل المدنيُّ: والله ما عدوتَ الحقّ أبداً …

فهو صوّام نهار …قوّام ليل …

حجّ نحواً من أربعين حجّة …

وما فاتته التّكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاماً …

ولا عُرفَ عنه أنّه نظر إلى قفا رجل في الصلاة خلال ذلك أبداً ؛ لمحافظته على الصفِّ الأوّل .

وقد كان في وسعه أن يتزوّج بمن يشاء من نساء قريش ، فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء .

وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه …وسعة روايته لحديثه … وشدّة رغبته في الأخذ عنه .

ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره …

فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ، وتأثّر بهنّ …

وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن عمر …

وسمع من عثمان ، وعليّ ، وصهيب ، وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .

وتخلَّق بأخلاقهم …

وتحلّى بشمائلهم …

ولقد كانت له كلمة يُردّدها على الدوام حتى غدت وكأنّها شعارٌ له ، وهي قوله:

ما أعزَّتِ العبادُ نفسها بمثلِ طاعةِ الله …

ولا أهانت نفسها بمثلِ معصيته …

 

 

المصدر

كتاب صور من حياة التابعين للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله تعالى

شارك بتعليقاتك الأن .!!

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليقاتك.