سعيد بن المسيَّب
عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حجِّ بيت الله الحرام … وزيارة ثاني الحرمين الشّريفين .
والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه .
فلمّا أقبل شهر ذي القعدة ، زمَّ الخليفة العظيم ركائبه ، وتوجّه إلى أرض الحجاز يصحبه السادة الأماجد من أمراء بني ((أميَّة)) … ونفرٌ من كبار رجال دولته … وبعض أولاده …
ومضى الرّكب في طريقه من ((دمشق)) إلى المدينة المنوّرة من غير بطء ولا عجلٍ …
فكانوا كلّما نزلوا منزلاً نُصِبت لهم الخيام، وفُرشت لهم الفرش، وعُقِدت لهم مجالس العلم والتّذكرة؛ ليزدادوا تفقُّهاً في الدين .
ويتعهّدوا قلوبهم ونفوسهم بالحكمة والموعظة الحسنة .
* * *
ولمّا بلغ الخليفة المدينة المنوّرة ، أمّ حرمها الشريف … وتشرّف بالسلام على ساكنها محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وسعِدَ بالصلاة في الرّوضة المُطهَّرة الغرّاء .
فذاق من برد الرّاحة ، وسلام النّفس ما لم يذق مثلهما من قبل …
وعزم على أن يُطيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ما وجد إلى ذلك سبيلاً .
* * *
وكان من أشدّ ما استأثر باهتمامه في المدنية المنوّرة حلقات العلم التي كانت تعمر المسجد النبوي الشريف .
ويتألّق فيها العلماء الأفذاذ من كبار التّابعين كما تتألّق النجوم الزّهر في كيد السماء … فهذه حلقة عروة بن الزّبير …
وتلك حلقة سعيد بن المسيّب …
وهناك حلقة عبد الله بن عتبة …
* * *
وفي ذات يوم صحا الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصحو فيه عادة، فنادى حاجبه وقال: يا مَيسرة .
قال: لبّيك يا أمير المؤمنين .
قال: امضِ إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وادعُ لنا أحد العلماء لِيُحدّثنا …
* * *
مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف، وأجال نظرهُ فيه فلم يرَ غيرَ حلقة واحدة توسَّطها شيخٌ زاد على الستين من عمره فيه بساطةُ العلماء … وعليه هيبتهم ووقارهم …
فوقف غير بعيد من الحلقة ، وأشار للشيخ بإصبعه… فلم يلتفت إليه الشيخ، ولم يأبه لهُ .
فاقترب منه وقال: ألم ترَ أنّي أُشيرُ إليك ؟! .
قال: إليَّ أنا ؟! .
قال: نعم …
قال: وما حاجتُكَ؟ .
قال: استيقظ أمير المؤمنين وقال: امضِ إلى المسجد وانظر هل ترى أحداً من حُدَّاثي ، فأتني به .
فقال له الشيخ: ما أنا من حُداثه .
فقال له ميسرةُ: ولكنَّه يبغي مُحدِّثاً يُحدّثه .
فقال الشيخ: إنّ من يبغي شيئاً يأتي إليه … وإنّ في حلقة المسجد مُتَّسعاً له إذا كان راغباً في ذلك .. والحديث يُؤتى إليه، ولكنّه لا يأتي …
فعاد الحاجب أدراجه وقال للخليفة: ما وجدتُ أحداً في المسجد غير شيخ أشرتُ إليه فلم يقم، فدنوتُ منه وقلت: إنّ أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت وقال لي: انظر هل ترى أحداً من حُدّاثي في المسجد فادعهُ لي …
فقال لي في هدوء وحزم: إنّني لستُ من حدّاثه … وإنّ في حلقة المسجد متّسعاً له إذا كان راغباً في الحديث .
فتنهّد عبد الملك بن مروان …وهبَّ قائماً ، واتّجه إلى داخل المنزل وهو يقول: ذلك سعيد بن المسيّب ..ليتكَ لم تأتهِ، ولم تكلّمه …
فلمّا ابتعد عن المجلس وصار في الداخل، التفت أصغر أولاد عبد الملك إلى أخ له أكبر منه وقال:
من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ، ويستكبر على المُثول بين يديه، وحضور مجلسه …
وقد دانت له الدنيا، وخضعت لهيبته ملوك ((الروم)) .
فقال الأخ الأكبر: ذاك الذي خطب أمير المؤمنين بنته لأخيك الوليد؛ فأبى أن يزوّجها منه .
فقال الأخ الأصغر: أبى أن يزوّجها من الوليد بن عبد الملك ؟!! .
وهل كان يروم لها بعلاً أسمى من وليّ عهد أمير المؤمنين ؟! …وخليفة المسلمين من بعده .
فسكت الأخ الأكبر ولم يُجبه بشيء …
فقال الأخ الأصغر: إذا كان قد ضنَّ بابنته على وليّ عهد أمير المؤمنين ، فهل وجد لها الكفء الذي يليق بها ؟ …أم إنّه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس …وتركها قعيدة بيت .
فقال له أخوه الأكبر: الحق أنّني لا أعرف شيئاً من خبرها، وخبره معها …
فالتفت إليهما أحد الجلاّس من أبناء المدينة وقال: إذا أذن لي الأمير قصصتُ عليه خبرها كلّه …فقد تزوّجت فتىً من فتيان حيِّنا يقال له : ((أبو وداعة)) .
وهو جارنا بيت بيت … ولزواجه منها قصة طريفة رواها لي بنفسه .
فقال له الأخوان: هاتِها …
فقال الرجل: حدّثني أبو وداعة قال: كُنتُ – كما تعلم – ألازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم .
وكنت أداوم على حلقة سعيد بن المسيّب ، وأزاحم الناس عليها بالمناكب …فتغيّبتُ عن حلقة الشيخ أيّاماً ، فتفقّدني ، وظنّ أنّ بي مرضاً ، أو عرَضَ لي عارض … فسأل عنّي من حوله ، فلم يجد عند أحد منهم خبراً .
فلمّا عدتُ إليه بعد أيام حيّاني ، ورحَّب بي وقال: أين كنت يا أبا وداعة ؟؟ .
فقلت: توفّيت زوجتي ، فاشتغلتُ بأمرها .
فقال: هلاّ أخبرتني يا أبا وداعة فنواسيك ، ونشهد جنازتها معك ، ونُعينك على ما أنت فيه .
فقلت: جزاك الله خيراً …وهممتُ أن أقوم …فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس ، ثمّ قال لي:
أما فكّرت في استحداث زوجة لك يا أبا وداعة ؟ .
فقلت: يرحمك الله … ومن يزوّجني ابنته وأنا شابٌ نشأ يتيماً، وعاش فقيراً … فأنا لا أملك غير درهمين ، أو ثلاثة دراهم .
فقال: أنا أزوّجك ابنتي .
فانعقد لساني وقلتُ: أنت ؟! … أتزوّجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت ؟! .
فقال: نعم …
فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخُلُقه زوّجناه ، وأنت عندنا مرضيّ الدين والخُلُق …
ثمّ التفت إلى من كان قريباً منَّا ، وناداهم … فلما أقبلوا عليه ، وصاروا عنده ؛ حمِد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه محمد صلوات الله وسلامه عليه .
وعقد لي على ابنته … وجعل مهرها درهمين اثنين … فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرح …
ثمّ قصدتُ بيتي ، وكنتُ يومئذٍ صائماً؛ فنسيتُ صومي وجعلتُ أقول: ويحكَ يا أبا وداعة … ما الذي صنعت بنفسك ؟! … ممَّن تستدين ؟! … وممَّن تطلب المال ؟! .
وظللتُ على حالي هذه حتى أذّن للمغرب …فأدّيت المكتوبة ، وجلستُ إلى فطوري ، وكان خبزاً وزيتاً …
فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع .
فقلت : من الطارق ؟ .
فقال: سعيد …
فواللهِ مرَّ بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيّب …ذلك لأنّه لم يُر منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد .
ففتحت الباب، فإذا بي أمام سعيد بن المسيّب …فظننت أنّه قد بدا له في أمر زواجي من ابنته شيء …
وقلت له: أبا محمد؟! …هلا أرسلت إليّ فآتيك .
فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم .
فقلت: تفضّل عليّ …
فقال: كلاّ ، وإنما جئتُ لأمر …
فقلت: وما هو يرحمك الله ؟ …
فقال: إنّ ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله منذ الغداة ، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك ، فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر؛ فجئتك بها .
فقلت : ويحي … جئتني بها؟! .
فقال: نعم …
فنظرت ، فإذا هي قائمة بطولها .
فالتفت إليها وقال: أدخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله، وبركته …
فلمّا أرادت أن تخطو ؛ تعثَّرت بمُلاءتها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض .
أمّا أنا فقد وقفت أمامها مشدوهاً لا أدري ما أقول …ثمّ إنّي بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت ؛ فنحّيتها من ضوء السراج حتى لا تراها .
ثم صعدتُ إلى السطح وناديتُ الجيران ، فأقبلوا عليَّ وقالوا:
ما شأنك ؟ .
فقلت: عقد لي سعيد بن المسيّب على ابنته اليوم في المسجد … وقد جاءني بها الآن على غفلة … فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي ، فهي بعيدة الدار .
فقالت عجوز منهنّ: ويحك أتدري ما تقول .؟! …
أزوّجك سعيد بن المسيّب ابنته … وحملها لك إلى البيت بنفسه ؟! …
وهو الذي ضنَّ بها على الوليد بن عبد الملك !! .
فقلت: نعم …
وها هي ذي عندي في بيتي ، فهلمّوا إليها ، وانظروها .
فتوجّه الجيران إلى البيت ، وهم لا يكادون يُصدّقونني ، ورحَّبوا بها ، وآنسوا وحشتها …
* * *
وما هو إلا قليل حتى جاءت أمي ، فلمّا رأتها التفتت إليّ وقالت: وجهي من وجهك حرام إن لم تترُكها لي حتى أُصلِح شأنها … ثمّ أزُفّها إليك كما تزف كرائم النساء .
فقلت: أنتِ وما تريدين …
فضمَّتها إليها ثلاثة أيام، ثمّ زفّتها إليّ .
فإذا هي من أبهى نساء المدينة جمالاً …وأحفظ الناس لكتاب الله عزّ وجلّ …وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام … وأعرف النساء بحقوق الزّوج .
فمكثتُ معها أياماً لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها .
ثمّ إني أتيتُ حلقة الشيخ في المسجد ؛ فسلّمتُ عليه ، فردّ عليّ السلام ، ولم يكلّمني .
فلمّا انفضَّ المجلس ، ولم يبق غيري قال: ما حال زوجتك يا أبا وداعة ؟.
فقلت: هي على ما يحبُّ الصّديق ويكره العدوّ …
فقال: الحمد لله .
فلمّا عدتُ إلى بيتي ، وجدتُه قد وجّه إلينا مبلغاً وفيراً من المال لنستعين به على حياتنا .
* * *
فقال ابن عبد الملك: عجيبٌ أمر هذا الرجل …
فقال له رجل من أهل المدينة: وما وجه العجب فيه أيها الأمير ؟ …
إنه امرؤ جعل دنياه مطيَّة لأخراه …واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية …
فوالله إنّه ما ضنَّ على ابن أمير المؤمنين بابنته … ولا رآه غير كُفءٍ لها ، وإنّما خاف عليها فتنة الدنيا …
ولقد سأله بعض أصحابه فقال: أترُدُّ خطبة أمير المؤمنين ، وتزوّج ابنتك من رجل من عامّة المسلمين ؟! .
فقال: إنّ ابنتي أمانة في عنقي ، وقد تحرّيتُ فيما صنعته لها صلاح أمرها .
فقيل له : وكيف ؟! .
فقال: ما ظنّكم بها إذا انتقلت إلى قصور بني أميّة …وتقلّبت بين رياشها وأثاثها …وقام الخدمُ والحشم والجواري بين يديها، وعن يمينها ، وعن شمالها …ثمّ وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة ؟ .
أين يصبح دينها يومئذٍ ؟ .
فقال رجل من أهل الشام: يبدو أنّ صاحبكم طرازٌ فريد من الناس .
فقال الرجل المدنيُّ: والله ما عدوتَ الحقّ أبداً …
فهو صوّام نهار …قوّام ليل …
حجّ نحواً من أربعين حجّة …
وما فاتته التّكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعين عاماً …
ولا عُرفَ عنه أنّه نظر إلى قفا رجل في الصلاة خلال ذلك أبداً ؛ لمحافظته على الصفِّ الأوّل .
وقد كان في وسعه أن يتزوّج بمن يشاء من نساء قريش ، فآثر بنت أبي هريرة رضي الله عنه على سائر النساء .
وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه …وسعة روايته لحديثه … وشدّة رغبته في الأخذ عنه .
ولقد نذر نفسه للعلم منذ نعومة أظفاره …
فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ، وتأثّر بهنّ …
وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن عمر …
وسمع من عثمان ، وعليّ ، وصهيب ، وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .
وتخلَّق بأخلاقهم …
وتحلّى بشمائلهم …
ولقد كانت له كلمة يُردّدها على الدوام حتى غدت وكأنّها شعارٌ له ، وهي قوله:
ما أعزَّتِ العبادُ نفسها بمثلِ طاعةِ الله …
ولا أهانت نفسها بمثلِ معصيته …
المصدر
كتاب صور من حياة التابعين للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله تعالى

شارك بتعليقاتك الأن .!!
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليقاتك.